المسؤولية عن انخفاض إنتاجية المعدات في المشاريع
وصول المعدة إلى موقع المشروع وتشغيلها لا يعني بالضرورة أن المورد أو المؤجر قد نفذ التزامه على الوجه المتفق عليه، ففي عقود المعدات، قد لا يكون محل الالتزام مجرد توفير معدة قابلة للتشغيل، وإنما توفير معدة بمواصفات وقدرة وإنتاجية محددة.
وهنا تظهر المسألة الأهم: إذا كانت المعدة تعمل، ولكن إنتاجيتها الفعلية أقل من المستوى المتفق عليه، فمن يتحمل أثر ذلك على المشروع؟
الإنتاجية جزء من الالتزام متى دخلت في نطاق الاتفاق
يتحدد نطاق الالتزام أولًا بالرجوع إلى العقد ووثائقه. فإذا نص العقد، أو العرض الفني، أو أمر الشراء، أو المواصفات المعتمدة على قدرة تشغيلية أو معدل إنتاج محدد، فإن هذه البيانات تصبح جزءًا من معيار مطابقة المعدة للمتفق عليه.
وبالتالي، لا يكفي في هذه الحالة إثبات أن المعدة «تعمل» من الناحية الفنية، بل يجب النظر إلى مدى قدرتها على تحقيق الأداء الذي التزم به المورد أو المؤجر.
أما إذا لم يتضمن الاتفاق ضمانًا لإنتاجية محددة، فإن مجرد كون الإنتاج الفعلي أقل من توقعات الطرف المستفيد لا يكفي، بذاته، لإثبات وجود إخلال.
هل يختلف الأمر بين الإيجار والتوريد؟
نعم، فطبيعة العقد تؤثر بصورة مباشرة في تحديد الالتزام.
في إيجار المعدات، قد يكون محل الالتزام مجرد توفير المعدة وإتاحتها للانتفاع خلال مدة معينة. وفي هذه الحالة قد تستحق الأجرة عن مدة الإتاحة، ما لم يربط العقد المقابل بمستوى معين من الإنتاج أو الأداء.
أما إذا التزم المؤجر صراحة بقدرة إنتاجية أو أداء محدد، فإن عدم تحقيق هذا المستوى قد يفتح المجال للمطالبة بالإصلاح، أو الاستبدال، أو تخفيض المقابل، أو التعويض، بحسب العقد والضرر المثبت.
وفي البيع أو التوريد، يتركز الالتزام بصورة أكبر على مطابقة المعدة للنوع والقدرة والمواصفات المتفق عليها.
وقد يمتد إلى التركيب، أو التشغيل، أو الاختبار، أو ضمان مستوى معين من الأداء إذا كانت هذه الالتزامات داخلة ضمن نطاق العقد.
من يتحمل خسائر انخفاض الإنتاجية؟
انخفاض إنتاجية المعدة لا يعني تلقائيًا تحميل المورد أو المؤجر جميع الخسائر التي لحقت بالمشروع.
فالمطالبة بالتعويض تستلزم إثبات وجود التزام محدد، والإخلال به، ووقوع ضرر فعلي، ووجود علاقة سببية بين انخفاض إنتاجية المعدة وذلك الضرر.
وتزداد أهمية السببية في مشاريع المقاولات؛ لأن التأخير قد ينتج عن عدة عوامل في الوقت ذاته، مثل ظروف الموقع، أو نقص العمالة، أو سوء التشغيل، أو تأخر أعمال أخرى مرتبطة بالمشروع. لذلك لا يمكن نسبة كامل التأخير إلى المعدة لمجرد انخفاض إنتاجيتها.
وقد تشمل الأضرار محل المطالبة، متى ثبتت، تكاليف استئجار معدة بديلة، وزيادة ساعات التشغيل والعمالة، وبعض الخسائر الناتجة عن تأخر الأعمال. إلا أن تقدير هذه الأضرار يتطلب مستندات وأدلة تثبت مقدارها وارتباطها المباشر بالإخلال.
ماذا لو تسلم المقاول المعدة واستمر في استخدامها؟
استلام المعدة أو الاستمرار في تشغيلها لا يعني بالضرورة سقوط الحق في الاعتراض، خاصة إذا كان انخفاض الإنتاجية لا يمكن اكتشافه إلا بعد التشغيل الفعلي.
لكن موقف الطرف المتضرر يصبح أكثر قوة عندما يوثق المشكلة فور ظهورها، ويخطر الطرف الآخر، ويثبت تحفظه، ويطلب الإصلاح أو الاستبدال.
وفي المقابل، قد يؤثر الاستمرار في استخدام المعدة دون اعتراض أو تحفظ، رغم العلم بالمشكلة، في تقدير المطالبة بحسب ظروف الواقعة وما ورد في العقد.
الإثبات الفني هو الفاصل
في النزاعات المتعلقة بإنتاجية المعدات، لا يكفي عادة القول إن المعدة «بطيئة»، أو «لم تحقق المطلوب»، بل ينبغي مقارنة ما تم الاتفاق عليه بما حققته المعدة فعليًا.
ولهذا تبرز أهمية تقارير التشغيل، وسجلات الإنتاج، ومحاضر الاستلام، والعرض الفني، والمواصفات، والمراسلات، وتقارير المهندس أو الاستشاري، وقد تكون الخبرة الفنية ضرورية لتحديد مقدار الانخفاض وسببه وأثره على المشروع.
المعيار ليس مجرد وصول المعدة إلى الموقع أو قدرتها على التشغيل، وإنما ما الذي التزم به الطرف بشأن أدائها؟
فإذا كانت الإنتاجية جزءًا من المواصفات أو الالتزامات التعاقدية، وثبت أن المعدة لم تحققها بسبب عدم مطابقة أو خلل يعود إلى المورد أو المؤجر، فقد ينشأ عن ذلك إخلال تعاقدي.
أما تحميله خسائر المشروع، فيبقى مرتبطًا بإثبات الضرر وعلاقته السببية بانخفاض الإنتاجية، مع مراعاة شروط العقد وتوزيع المسؤوليات بين أطرافه.
ولهذا، فإن تحديد الإنتاجية وآلية قياسها واختبارها وآثار عدم تحقيقها منذ مرحلة صياغة العقد قد يكون أكثر أهمية من وصف المعدة نفسها.